الشيخ محمد الصادقي
233
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
إنما هنا وهناك العدد الإلهية تعمل كما يريد اللَّه ، وليست العدة ذات أهمية ، بل ولا أصل الجنود « وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ » فالعدد أياً كان إنه فتنة لهؤلاء الأوغاد المناكيد ، تسعة عشر أو عشرين ، أو زد عليها ما شئت ، فان المجادل الجاهل لا يقف لحد في الجدال ، فالعاقل إنما يجادل من يجوز عليه الجهل ، مع علم مسبق له نفسه ، وبرهان قاطع يتنافي والخبر الجديد ، وأما الناكرون للجحيم وزبانيتها ، والنار وحدودها ، فكيف لهم الجدال مع نسّاق الوجود ، العالم بالعدد والمعدود والحد والمحدود ؟ كأن لهم العلم بحد العدد وهو الجاهل ، أو هم القادرون على هذا العدد ؛ القليل في زعمهم ، وهو العاجز عن أن يزيدهم بعدد أو يقويهم بعدد ! كلا - إن هذا العدد كسائر الأعداد في سائر المواضيع ، يتمكن الجاهل الغبي أن يعترض على أي منها يشاء ، دون برهان على خلافه قائلا : لماذا السماوات سبع ؟ لماذا حمل الجنين بين ستة أشهر وتسعة ، لماذا الصلوات اليومية سبع عشر ركعة ولماذا ؟ والجواب أن خالق الخلق ومدبّره يريد ويفعل ما يريد « لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ » « وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ » . فلو جعل عدد الزبانية تسعة عشر ألفاً أؤ مليوناً أو ملياراً أو ما زاد ، لقالوا لماذا لم يجعل عشرين ألفاً أو ما زاد : ولو جعلهم عشرين ألفاً أو ما زاد لقالوا لماذا لم يجعل أكثر أو أقل . ولو لم يجعل للجحيم زبانية لقالوا : إله عاجز بلا جنود ، فهم مسؤول أينما وجهوا ، فاللَّه تعالى إنما يجعل الزبانية تسعة عشر فتنة للظالين ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ، وإيقاناً لأهل الكتاب بما لهم من خبر مسبق عن هذا العدد في كتبهم وازدياداً لإيمان المؤمنين ، كما يزدادون بغيرها من آيات اللَّه البينات « وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ » ( 8 : 22 ) فكل مقالة من ربهم يزيدهم إيماناً ، لتفتّح قلوبهم وانشراح صدورهم ، ولأن كتب الوحي المبسقة تصدق هذا العدد ، وانه لو لم يكن وحياً من اللَّه لما اختاره محمد صلى الله عليه وآله وهو أعقل العقلاء ، فهل ليثير الهزء والهراء من الكافرين والذين في قلوبهم مرض ؟ . . ولأن قلة الزبانية تدل على كثرة القدرة الإلهية ، وما الجنود إلا ذكرى للبشر ، دون حاجة من اللَّه